الفيضانات في المغرب… من خطر موسمي إلى رافعة للأمن المائي

العاصمة بريس /الرباط

مصطفى اشباني/أكادير

لم تعد الفيضانات في المغرب مجرد ظاهرة عابرة ترتبط بأيام ممطرة استثنائية، بل أصبحت نتيجة مباشرة لاختلال التوازن المناخي وتراكم اختيارات عمرانية وبيئية غير ملائمة. فالأمطار التي كانت تتوزع زمنياً على أشهر، باتت اليوم تتساقط بغزارة خلال ساعات قليلة، فتفوق قدرة الأرض والبنية التحتية على الاستيعاب، وتتحول إلى سيول جارفة تخلف خسائر مادية وتعطل الحياة اليومية.

الطبيعة الجغرافية تفسر جزءاً من الظاهرة، إذ تنحدر المياه بسرعة من المرتفعات نحو المدن والسهول، غير أن العامل البشري يضاعف حدتها. فالتوسع الحضري فوق مجاري الأودية، وضعف قنوات الصرف، وتراجع المساحات الخضراء، كلها عوامل تمنع تسرب المياه إلى باطن الأرض. كما أن تدهور الغطاء الغابوي والتربة يجعل مياه الأمطار تجري فوق السطح بدل أن تغذي الفرشات المائية.

ورغم خطورتها، تكشف الفيضانات عن واقع مهم: ضياع كميات ضخمة من المياه نحو البحر في وقت تعرف فيه البلاد ضغطاً متزايداً على الموارد المائية. لذلك أصبح من الضروري التعامل مع الفيضانات كفرصة مائية بدل اعتبارها مجرد كارثة طبيعية.

الحلول الممكنة تبدأ بإنشاء سدود تلية وخزانات صغيرة في أعالي الأحواض المائية لتخفيف قوة السيول وتخزين المياه تدريجياً. كما ينبغي إعادة التفكير في تخطيط المدن عبر توسيع المساحات الخضراء واعتماد أرضيات نفاذة تسمح بتغذية المياه الجوفية، إلى جانب صيانة شبكات التطهير وفصل مياه الأمطار عن المياه العادمة.

إضافة إلى ذلك، يشكل التشجير وحماية الغابات حلاً طبيعياً فعالاً، لأنه يبطئ جريان المياه ويمنع انجراف التربة. ويمكن استثمار مياه الفيضانات في الفلاحة المحلية عبر خزانات قروية موجهة للري، ما يحول الخطر إلى مورد اقتصادي.

إن تدبير الماء في المستقبل لن يعتمد فقط على مواجهة سنوات الجفاف، بل أيضاً على حسن استغلال سنوات الوفرة. فالفيضانات إذا أُحسن التخطيط لها تتحول من تهديد إلى ضمانة، ومن خسارة إلى مخزون استراتيجي تحتاجه الأجيال القادمة.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...