التقسيم الجديد لمراكش !!!

مصطفى غلمان

هل تقدم وزارة الداخلية فعلا على تنزيل التقطيع الترابي الجديد لجماعة مراكش ؟

ما يتداول حاليا، حول قرب الإفراج على التقسيم الجديد لمراكش، مازال رهن التفكير والدراسة، حسب مصادر مؤكدة. لكن الاحتمال الوارد بقوة، هو إحداث تغييرات خطيرة، تمس الوعاءات العقارية لبعض الجماعات الترابية، التي تسيل لعاب العديد من المستثمرين ولوبيات العقار، الذين يبحثون عن موضع قدم في مجالات ترابية ذات مواقع استراتيجية على مستوى الاستثمار السياحي والعقاري السكني.

وحسب معطيات أولية، فإن أهم حالات التغيير في مشروع التقطيع الترابي الجديد لجماعة مراكش، الذي يتدارسه أصحاب القرار، يتعلق بإلحاقات تكرس هيمنة نظرية المغرب النافع على الآخر غير النافع. أو بمعنى السوسيولوجيا المجالية، قضم أجزاء نافعة، من عمق الجسد العليل؟
قد يكون الحسم الإداري، في مسألة إلحاق النخيل الشمالي بمقاطعة جليز والنخيل الجنوني بمقاطعة سيدي يوسف بن علي على مستوي طريق فاس، مع الحذف المحتمل لمقاطعة النخيل. وإلحاق الجزء الغربي لمقاطعة جليز (رياض السلام، الازدهار، الحي العسكري، دوار الكدية، أكيوض) بمقاطعة سيدي غانم المحدثة. وإلحاق الجزء الغربي بمقاطعة المنارة والجزء الشرقي بمقاطعة المدينة.
نعم، قد يكون هذا النوع من الإلحاق، خطة في مضمار تحسين الأداء الجماعي وإدارة شؤون الترابيات بشكل أفضل وأكثر نجاعة. وهو إجراء تقويمي تعمل الدولة على ترسيمه كلما قاربت الانتخابات حضورها التفاعلي، خلال عرض البرامج وترتيب الأولويات.
لكن، عندما يصل موضوع الإلحاق على مستوى الجماعات القروية المنتشرة بين ربوع جماعة مراكش، يمارس التقطيع المحتمل شكلا من التفكيك الاقتصادي والاجتماعي، في حدود من التفاوتات الصارخة، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار القدرات والإمكانيات المتوافرة. ويلتبس الأمر عندما تقع عيون القائمين على التقسيم، على جزء من الذي مورست عليه عملية التقطيع، فتصير القضية مسألة إجراء عملية بتر وإتلاف، عوض اقترابية إدارية أكثر تلاؤما مع واقع الجماعة الترابية وإكراهاتها في التدبير الإداري والعمومي.

لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر. إذا ما كان احتمال إلحاق جزء من جماعة تسلطانت لمقاطعة سيدي يوسف بن علي (جنوب).
وأيضا إلحاق جزء من جماعة سعادة لمقاطعتي سيدي غانم (دار السلام) والمنارة (دوار السلطان).
وكذا إلحاق جزء من جماعة تسلطانت لمقاطعة المنارة (جنوب)
وأيضا إلحاق جزء من جماعة واحة سيدي إبراهيم لمقاطعتي جليز وسيدي غانم (شمال).
فهو حقيقة، تكريس لغياب العدالة المجالية التي هي “التوزيع المتوازن والمتكافئ للتقسيم الترابي، والاستثمار والاستفادة المتوازنة مما يختزن من ثروات طبيعية وطاقات بشرية”. ولدينا وثيقة مرجعية تؤرخ لمجموعة تغييرات اقترحتها “تقرير الخمسينية سنة 2006″، من أهم قيمها الأساسية مقدمة اشتراطية لتحقيق الحكامة العمومية، التي هي “لازِمة إجرائية للتجديد السياسي، وشرط ضروري لكي ينخرط المغرب في نهج تنمية مستدامة، وذات مستوى جيد”.
فجماعات تاسلطانت وواحة سيدي ابراهيم وسعادة، ستكون أكباش فداء وضحايا قربان مؤلم يمزقها شر ممزق، لا لشيء، إلا لكونها شهدت خلال السنوات الأخيرة الماضية سبقا استقصائيا، وواجهة استثمارية ومجالية واعدة. انطلاقا من السياق العام الذي وجهت من خلاله مجموعة من المشاريع التنموية الكبيرة، التي أضحت رافعة أساسية في بناء مستقبلها وامتلاكها أدوات فاعلة في جسر العبور إلى ضفة التحضر والحداثة والتطور العمراني والسياحي والثقافي.
إن من أعظم الأحداث جسارة في العهد الجديد، ما أقره دستور 2011، روح المصالحة التاريخية التي دشنها الملك محمد السادس، من خلال الإنصاف والمصالحة، وتحقيق مجالية جهوية أكثر قوة وإنصافا، مع ما تحمله هذه الاقتدارية الأخلاقية والحضارية من مبدأ “التكافؤ في الفرص والإمكانيات”، والقطع مع الماضي المليء بالتقاطعات والتفاوتات والانقسامات. وهي العدالة الاجتماعية التي يعمقها جلالة الملك ويدعو إليها في كل خطبه السامية وتحركاته المستنيرة.
إن إعادة مهمة استعلاء التقطيع المجالي الترابي، وتغوله على جماعات ترابية لا تملك من قوت يومها سوى أفواه جائعة وديموغرافيات متلاطمة، وفرص للعمل والعيش منعدمة، هو تقويض للدستور وإحالة على ترويع السلم الاجتماعي وتمريغ للمكتسبات في وحل التفقير والهشاشة.
وإن تنزيل هذه الرؤية دون إحداث دراسات ومقاربات تشاركية واعية بمنظومة ومهام الجهوية الموسعة والتدبير الترابي المحكم، لهو البوار بعينه.
يمكن هنا التذكير بمتضمنات الوثيقة الدستورية، من بين أهم أساساتها:

ـ الفصل الأول

يعتبر أن من أسس التنمية الجهوية والعدالة المجالية (التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة)، حيث يقر بأهمية التنظيم الإداري والسياسي للمملكة والقائم على المجال الترابي.

– الباب التاسع

والذي يتعلق بدسترة الجماعات الترابية، وهو من أهم الأبواب التي تخصص أدوار الجماعات الترابية وصدارتها ووجودها الاعتباري ضمن مشروع الجهوية الموسعة.

– الفصل 154

يقر بالمساواة بين المواطنين في الاستفادة من خدمات المرفق العمومي الوطني، وبين المجالات الترابية من خلال التغطية الشاملة لنشاطها

الفصل 137

يأتي على ذكر مساهمة الجماعات الترابية في تفعيل السياسات العامة للدولة، وكذا إعداد السياسات الترابية وكل البرامج والخطط التنموية.
عموما، هذا غيض من فيض. فالوثيقة الدستورية جاءت لتكريس كل ما ذكرنا وأكثر. وهو ما يناقض تماما القرارات العشوائية التي تعمد إلى تفكيك المفكك، وتنقيص المنقوص.
نتمنى، إن كانت احتمالات مشروع إعادة تقطيع المجال الترابي لجماعة مراكش ونواحيها، ذاهبة إلى ما تم ترويجه أخيرا، على اعتبار جس النبض وتأهيل المناطات إلى ما سيتم الحسم فيه بشكل نهائي، أن تتم المراجعات هيكليا، دون إغفال المآلات الكبرى لتحقيق هذا المشروع. لا بد من إعادة النظر والاعتبار، في حجم الميزانيات التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ ومن النظر بعين الاعتبار في أوعية المداخيل الهزيلة أصلا، والمرتبطة بمؤطرات مجالية محدودة جدا، وقيودات تنموية مرهقة وطويلة النفس؟
وإن كان ولا بد من القدر المستعجل، فلا بأس من إعمال المقاربة التشاركية، التي هي جزء لا يتجزأ من القوانين التنظيمية المتعلقة بالتدبير الترابي؟




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...