دور المحتسب في الحضارة الإسلامية الجزء 1

خليفة مزضوضي مدير مكتب جهة مراكش آسفي يوم

يعتبر من أهم الأدوات التي يمتلكها المحتسب الرفق والغلظة، وهو يختار باجتهاده ما يُناسب الموقف، ولا يجب عليه أن يضع الرفق في غير محلِّه، وكذلك الغلظة، ومن ثَمَّ لما رأى الخليفة المأمون محتسبًا غليظًا، قال له: “يا هذا، إنَّ الله أرسل من هو خيرٌ منك لمن هو شرٌّ منِّي؛ فقال لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]”[1].

مهام المحتسب ومسئولياته

وفي الحديث عن المهام والمسئوليات التي كانت تُلْقَى على عاتق المحتَسِبِ في المجتمع الإسلامي، يقول أحد الباحثين المعاصرين: إن البلديات قد تُرَاقِبُ في عصرنا الحاضر القصَّابين[2]، والخبازين، والمطاعم وجميع المهن الحرة ، وقد تُشَارِكُها مديرية الصحَّة هذه الرقابة وكدالك مفتشية الشغل ، ولكنَّنَا لا نعرف للبلديات أثرًا في مراقبة الأسواق التجارية التي تباع فيها المنسوجات، والمصنوعات، والحاصلات المختلفة، أمَّا أصحاب المهن الحُرَّة؛ كالأطباء، والمحامين، والصيادلة، والمهندسين، والمعلمين، فليس للبلدية أن تنظر في شيء من أمورهم؛ ولذلك نستطيع أن نُقَرِّرَ متثبِّتِينَ أن اختصاصات المحتَسِبِ أوسع كثيرًا من اختصاصات القائد ، أو رئيس البلدية[3].
واهتم المحتسبون في الحضارة الإسلامية بكل ما ينفع المسلمين، وأُلِّفت المصنفات العديدة في ذلك، ولكن ما يلفت النظر، وما يُدلل على رُقي وظيفة المحتسب في حضارتنا، اهتمامها ببعض التفاصيل التي قد لا يتنبه إليها أحدٌ، فهذا ضياء الدين بن الإخوة (ت 729هـ) يذكر مجموعة من الإرشادات العامة التي يجب للمحتسب أن يُطَبِّقها، ولا نجد أحدًا قد سبقه إلى هذا المعنى؛ ففي حديثه في الحسبة على الفرَّانين والخبازين يقول: “ينبغي أن يأمرهم المحتسب برفع سقائف أفرانهم، ويجعل في سقوفها منافس واسعةً للدُّخان، ويأمرهم بكنس بيت النَّار في كلِّ تعميرةٍ… وغسل المعاجن، وتنظيفها، ويتَّخذ لها أبراشًا[4]، كلُّ برشٍ عليه عودان مصلَّبان لكلِّ معجنةٍ، ولا يعجن العجَّان بقدميه، ولا بركبتيه، ولا بمرفقيه؛ لأنَّ في ذلك مهانةً للطَّعام، وربَّما قُطِّر في العجين شيءٌ من عرق إبطيه، أو بدنه، ولا يعجن إلاَّ وعليه مِلْعَبةٌ[5] ضيِّقة الكمَّين، ويكون مُلثَّمًا أيضًا؛ لأنَّه ربَّما عطس، أو تكلَّم فقطر شيءٌ من بصاقه، أو مخاطه في العجين، ويشدُّ على جبينه عصابةً بيضاء لئلاَّ يعرق فيقطر منه شيءٌ، ويحلق شعر ذراعيه لئلاَّ يسقط منه شيءٌ في العجين، وإذا عجن في النَّهار فليكن عنده إنسانٌ على يده مذبَّةٌ يطرد عنه الذُّباب”[6].
إن اهتمام الحضارة الإسلامية بتشديد الرقابة على كل مهنة ينتج عنها نفعٌ عامٌّ منذ فترة مبكرة جدًّا، يؤكد لدينا أن غاية هذه الحضارة، تتمثَّل في المحافظة على الإنسان، وتوفير جميع السبل لراحته ولإسعاده، وهذه القواعد الصارمة التي يُنَبِّه ابن الإخوة عليها، باتت -للأسف الشديد- مفتقَدَة في كثير من الخدمات والمنافع العامة في بلداننا الإسلامية في واقعنا المعيش، بل أصبحنا نستورد فنون النظافة و”الإتيكيت” من الأوربيين والغربيين، ونسينا أو جهلنا أن الحضارة الإسلامية قد نبَّهت على ضرورة وجود المعايير الأمنية للمحافظة على صحة المسلم، من خلال وجود مراقبين (محتسبين) يُنفِّذون تلك القواعد بطرق مشدَّدة، والحق أن كتاب “معالم القربة في طلب الحسبة” ليُعد من قبيل موسوعة رقابية مهمة جدًّا، وجب التنبه لها، والرجوع إليها؛ لأنها تصلح لكثير من الأقطار والعصور.
وعرفت بلاد المغرب والأندلس وظيفة المحتسب منذ فترة مبكرة، ولكن ما يلفت النظر، أن المحتسب كان يستعين بالصبيان والفتيات، ليُعينوه على معرفة التاجر الغاشِّ، فكان “المحتسبُ يدسُّ عليه (أي على التاجر) صبيًّا أو جارية يبتاع أحدُهما منه، ثم يختبرُ الوزنَ المحتسبُ، فإن وجد نقصًا، قاسَ على ذلك حاله مع الناس -فلا تسأل عمَّا يلقى[7]- وإن كثر ذلك منه ولم يَتُبْ بعد الضرب والتجريس[8] في الأسواق، نُفي من البلد، ولهم (المحتسبون) في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها كما تتدارس أحكام الفقه؛ لأنها عندهم تدخل في جميع المبتاعات، وتتفرع إلى ما يطول ذكره”[9].
ونتيجة للمنزلة الكبرى التي نالها محتسبو الأندلس، وجدنا مؤرخ الأندلس وعالمها لسان الدين بن الخطيب، يكتب رسالة تهنئة لمحمد بن قاسم الشُّدَيْد، محتسب مالقة الجديد، يُهَنِّئه ويُحَذِّره، فمما جاء فيها: “كتبتُ أيها المحتسبُ، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، وأهنيك ببلوغ تمنيك، وأُحذِّرُك من طمع نفسٍ بالغرور تُمنيك، فكأني وقد طافت بركابك الساعة، ولُزم لأمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مُصانعتِك الطماعة، وأخذتَ أهل الريب بغتةً كما تقوم الساعة، ونهضتَ تُقعد وتُقيم، وسكوتُك الريحُ العقيم، وبين يديك القسطاسُ المستقيم، ولا بُدَّ من شَرَكٍ يُنصب، وجماعة على ذي جاه تتعصب… فإن غضضت طرفك، أَمِنْتَ عن الولاية صرفك، وإن ملأت ظرفك، رحلت عنها حرفك..”[10].

وقد كانت وظيفة المحتسب في العصر المملوكي على جانب كبير من الأهمية، فبالإضافة إلى ما سبق من مهام، فقد أُضيف إليها وأد الفتنة العامة، والقضاء على الإشاعات التي قد تُسبب هرجًا بين الناس، ففي عهد السلطان برقوق، وبالتحديد في رجب من عام 781هـ، حدثت واقعة غريبة؛ فقد “شاع بين الناس أن شخصًا يتكلم من وراء حائط (من داخله) فافتتن الناس به، واستمرَّ ذلك في رجب وشعبان، واعتقدوا أن المتكلم من الجن أو الملائكة، وقال قائلهم: يا رب سلم! الحيطة تتكلم.
وقال ابن العطار:
يَا نَاطِقًا مِنْ جِدَارٍ وَهْوَ لَيْسَ يُرَى *** اظْهَرْ وَإِلاَّ فَهَذَا الْفِعْـلُ فَتَّـانُ
لَمْ تَسْمَعِ النَّاسُ لِلْـحِيطَانِ أَلْسِنَةً *** وَإِنَّمَـا قِيـلَ لِلْـحِيطَانِ آذَانُ
ثم تتبع جمال الدين المحتسب القصة، وبحث عن القضية إلى أن وقف على حقيقتها، فتوجَّه أولاً إلى البيت، فسمع الكلام من الجدار، فرسم على الجندي جار المكان، وضرب غلامه، وقرَّره وأمر بتخريب الدار فخُربت، ثم عادوا بعد ذلك وسمعوا الكلام على العادة، فحضر مرَّة أخرى، فأمر من يخاطب المتكلم، فقال: هذا الذي تفعله فتنة للناس فإلى متى? قال: ما بقي بعد هذا اليوم شيء، فمضى، ثم بلغه أنه عاد وقوي الظن وأن القصة مفتعلة، فلم يزل يبحث حتى عرف باطن الأمر، وهو أنه وجد شخصًا يقال له: الشيخ ركن الدين عمر. مع آخر يقال له: أحمد الفيشي. قد تواطئَا على ذلك، وصارا يلقنان زوج (امرأته) أحمد الفيشي ما تتكلم به من وراء الحائط، من قرعة[11] تصير الصوت مُستغربًا لا يُشْبه صوت الآدميين، فانتهى الأمر إلى برقوق، فسمَّرهم بعد ضرب الرجلين بالمقارع، والمرأة تحت رجلها، وحصل لكثير من الناس عليهم ألم عظيم، وخلع على جمال الدين خلعة بسبب ذلك”[12].
قد تكون هذه القصة أو الواقعة أمرًا طريفًا مُستظرفًا، بيد أن الحضارة الإسلامية تحافظ على الآداب العامة، خاصة إذا ترتَّب على ذلك خلل في الاعتقاد، فقد ظنَّ كثير من الناس أن المتكلم من الجن أو الملائكة، وللقضاء على هذه الفتنة، اهتم المُحتسب بها، واستطاع أن يقبض على هؤلاء المتكلمين، الذين كانوا يأخذون الأموال جرَّاء استماع الناس لهذا الصوت، فأصبح الأمر فتنة خطيرة على دين الناس واعتقادهم، كما أصبح سرقةً لأموالهم، وهم لا يعلمون، فكانت مهمة المحتسب أن يقضي على هذه الفوضى التي استمرَّت شهرين متتابعين.
وحتى في أوقات البلاء والمرض والأوبئة، كانت للمحتسب مهمة عظيمة، فقد ذكر المقريزي أن القاهرة والأرياف قد تَعَرَّضت لوباء قاتل في عام 822هـ، فـ”نُودِيَ في الناس من قِبَلِ المحتسب: أن يصوموا ثلاثة أيام آخرها يوم الخميس… ليَخْرجوا مع السلطان، فيدعوا الله بالصحراء في رفع الوباء، ثم أُعيد النداء… أن يصوموا من الغد، فتناقص عدد الأموات فيه…”[13].
بل من مهام المحتسب الأخرى، أنه كان يمرُّ بالشوارع والطرقات في وقت الحرب والنفير، فينادي في الناس بالخروج مع السلطان أو الأمراء لملاقاة الأعداء، فقد تحدَّث ابن العديم[14] في “بُغية الطلب” عن كيفية النفير في مدينة طَرَسُوس[15]، فمما قاله عن وظيفة المحتسب في هذه الأوقات: “يطوف المحتسب ورجالته الشوارع الجداد كلها، فإن كان ذلك نهارًا انضاف إلى رجالته عدد كثير من الصبيان، وساعدوهم على النداء بالنفير، وربما احتاجوا إلى حشد الناس لشدَّة الأمر وصعوبة الحال، فأمرَ أهلَ الأسواق بالنفير، وحضَّهم على المسير، في أثر الأمير أين أخذ، وكيف سار…”[16].
ولعل وظيفة المحتسب في هذه الأوقات الحرجة كانت من أهم الوظائف حينئذ، فمن المعلوم أن التجنيد في تلك الأزمنة لم يكن إجباريًّا، فكان باختيار الناس، وبإرادتهم، ومن ثم كان حضُّ الناس على الخروج، يحتاج بمن هو بصير ببيوتهم وأسواقهم، فجمع المحتسبُ بين وظيفته الأصلية، وبين كونه معلنًا رسميًّا من قِبَلِ الدولة في أوقات الحروب، وضرورة خروج الناس لملاقاة من يُهدِّد أمنهم وسلامتهم.
وقد كان بعض هؤلاء المحتسبين يتجاوز في العقوبة، أو يفرض إتاوة على الناس، فيأكل أموالهم بغير حق، لكن مؤسسة الحكم لم تكن لتدع هؤلاء يعيثون في الأرض فسادًا، وكان من أشهر المحتسبين الفاسدين في القاهرة، محمد بن شعبان الشمس، الذي فرض على الناس ظلمه، وعيَّن أشخاصًا معه ليأخذوا أموال الفقراء والتجار بغير حقٍّ، فلما علم سلطان المماليك المؤيد شيخ (815- 824هـ) بهذه الواقعة أمر بضرب هذا المحتسب أكثر من ثلاثمائة عصًا -وكان ذلك بحضرته ومشاهدته- وأن يُعزل من الحسبة[17].

الحسبة في النظام الأوربي

والعجيب أن أوربا قد أخذت نظام الحسبة عن المسلمين في عصورهم الوسطى، خاصة في وقت الحروب الصليبية، وقد أبقى الصليبيون وظيفة المحتسب على المدن التي استولوا عليها في المشرق، ونقلوها إلى كثير من بلدانهم في أوربا؛ إذ جاء في كتاب “النظم القضائية لبيت المقدس”، الذي وضعه الصليبيون أثناء احتلالهم بيت المقدس أنه ينبغي “أن يُقْسِم المحتسب على نفسه أنه سوف يعمل على احترام القوانين، وأنه سوف يُحافظ على حقوق الملك… ويجب على من يتولَّى منصب الحسبة أن يذهب إلى الأسواق في الإصباح؛ ليتفقَّد حوانيت الجزارين… وغيرها من حوانيت المأكول والمشروب… ويجب عليه كذلك أن يتحرَّس مما يُدخله الباعة، والدَّوَّارون[18] في مبيعاتهم من الغشوش، وأن يُراعي وجود الخبز في الأسواق وجودًا غير مقطوع، وأن يكون وزن الخبز مطابقًا للوزن المقرر بمجلس الحكم..”[19].
لا ريب أن نظام الحسبة في الإسلام “هو ذروة ما يمكن أن يفكِّر فيه الحكم الحصيف؛ للحرص على راحة الناس وأَمْنِهِم ودِعَتِهم، والحفاظ على رفاهيتهم، وتجنيبهم كل أسباب القلق والضيق، وحماية المجتمع أدبيًّا ومعنويًّا ومادِّيًّا، حمايةً مبسوطة كل البسط، غير محدودة بحدود، ولا مُقَيَّدة بقيود، إلاَّ حدود الأمن وقيود الذوق، ولا نكاد نجد حَكَمًا معاصرًا في أية دولة معاصرة يستعمل مثل هذا الأسلوب من أساليب حماية المواطنين في نطاق وظيفة بِعَيْنِهَا، مثل وظيفة الحسبة وصاحبها المحتسب”[20].
وهكذا كانت مؤسسة القضاء -بما تفرَّع عنها من مهامَّ، ووظائف أخرى معاونة ومساعدة- عَمِلَتْ على تمكين العدالة، وبسط الأمن والراحة والرفاهية للناس، في صورة عزَّ أن يُوجَدَ لها شبيه في أُمَّةٍ من الأمم، أو حضارة من الحضارات.
د. راغب السرجاني
المرااااااااجع :

[1] النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب 6/50.

[2] القَصَّابُ: الجَزَّارُ. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادَّة قصب 1/674.

[3] العجلاني: عبقرية الإسلام في أصول الحكم ص 343، نقلاً عن قصي الحسين: من معالم الحضارة العربية الإسلامية ص194.

[4] أبراش: جمع برش وهو حصير صغير من سعف النخل يجلس عليه. المعجم الوسيط، مادة برش ص49.

[5] الملعبة: ثوب لا كم له. ولعله يقصد هنا قصير الكم ضيِّقه.

[6] ابن الإخوة: معالم القربة في طلب الحسبة ص150.

[7] دلالة على شدة العقوبة.

[8] التجريس: التشهير والفضح.

[9] المقري: نفح الطيب 1/219.

[10] ابن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة 1/413.

[11] القرعة: نبات الدبَّاء أو وعاء يُتَّخذ منه. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة قرع 8/262.

[12] ابن حجر العسقلاني: إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ 1/309، 310.

[13] المقريزي: السلوك 6/495، 496.

[14] ابن العديم: عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي (588 – 660 هـ/ 1192 – 1262م)، ولد بحلب، ورحل إلى دمشق وفلسطين والحجاز والعراق، وتوفي بالقاهرة، من كتبه: (بغية الطلب في تاريخ حلب). انظر الزركلي: الأعلام 5/40.

[15] طرسوس: هي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان 4/28.

[16] ابن العديم: بُغية الطلب في تاريخ حلب 1/84.

[17] العسقلاني: إنباء الغمر 7/110.

[18] الدوارون جمع دوار: وهو البائع الذي يدور على الناس.

[19] نقولا زيادة: الحسبة والمحتسب ص39- 41، وظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي 2/612، 613.

[20] مصطفى الشكعة: معالم الحضارة الإسلامية ص84.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...