الكل يتكلم عن التطبيع بين المملكة المغربية وإسرائيل

بقلم خليفة مزضوضي من مراكش

أعتقد أنه قد آن الأوان لتعليق مشنقة المفاهيم البالية، بل دفنها، وإعادة تحرير المفاهيم التي أُقصيت خوفاً من هيمنتها على عقول المغيّبين تحت وطأة الشعارات.

من حارب مفهوم التطبيع ووضع له تعريفاً من وحي خياله، أقنعنا بأنه تنازل رسمي عن أرض فلسطين، وبأنه اعتراف بدولة إسرائيل؛ التي قد أصبحت دولة بموافقة ومباركة أصحاب الشأن سلفاً!، وبأنه لا سبيل لعودة الحقوق سوى من خلال التضحية بأبناء الشعب الفلسطيني، أي من خلال الحروب.

لم نكذّب أصحاب تلك الرؤية، بل أعطيناهم الفرصة كاملة جيلاً بعد جيل، متأملين أن ما وعدونا به من أحلام التحرير ستصبح حقيقة.. وانتظرنا طويلاً فإلامَ انتهينا؟ الحقيقة الوحيدة التي شهدناها وعشناها هي: البيوت المتهدّمة والأرواح المزهقة والقلوب المنكسرة على الآلاف المؤلفة من شهداء فلسطين.

لقد أقنعونا بأن التطبيع (بُعبُع) يجب الابتعاد عنه كي لا يأكلنا أحياء، وأبقونا حبيسي قلّة الحيلة والعجز عن التفكير في حلول بديلة.. تلاعبوا على أوتار مشاعرنا الجيّاشة، استغلّوا آمالنا المعلّقة بهم في استرداد حقوق ضائعة، بتلاوة البيانات وسرد الخطابات والشعارات الرنانة، التي أبكت بنات أفكارنا الحزينة كي تبقى تحت سيطرة اليأس والاستسلام لحلول وهمية.

كنّا قد قطعنا عقوداً من الصبر على الوعود، إلى أن أيقظتنا الشعارات والخطابات ذاتها المنددة بالتطبيع، لكن هذه المرة ضد معاهدة سلام الإمارات مع اسرائيل.. عندها استفاق الشعب الفلسطيني ـ بشقّيه المغترب والمرابط ـ مفزوعاً ليتساءل عن مدى اختلاف معاهدة سلام «أبراهام» عن سواها من معاهدات السلام التي تضمنت ضمان حق الدولتين او معاهدة السلام التي أبرمت بين جمهورية مصر الشقيقة وإسرائيل او معاهدة السلام التي أبرمت بين المملكة الهاشمية الاردنية وإسرائيل ، وسمحت بفتح سفارات إسرائيلية في عدة دول عربية وإسلامية، ووافقت عليها جميع الأطراف الأصيلة في النزاع الراهن في المنطقة.. فأين الخلل؟ وهل كنّا مخدوعين طوال هذه الفترة؟

لِمَ هذا النحيب وانهيار الأعصاب غير المسبوق من الإخوان المسلمين ومناصريهم؟ تُرى هل هو الخوف على خسارة فلسطين، أم الخوف من خسارة المكتسبات التي تغدقها عملية المتاجرة بقضية فلسطين؟.. هنا؛ كان لا بد لنا من وقفة لإعادة الحسابات وتصحيحها لما فيه صالح أولى القبلتين أرضاً وشعباً.

أن أبسط أمثلة التسويف التي يمكن أن تُطرح هي تلك المئات من البيوت المتهدمة من ويلات الحروب المتتالية، والتي تئن تحتها ذكريات أصحابها بدون أن يلتفت إليها أحد ممن وعدوا بإعادة بنائها، علماً بأن هناك المئات من حملات التبرعات وملايين الدولارات قد استجمعت على مدى سنوات من أجل نجدة العوائل المنكوبة، والتي لا تزال منكوبة إلى يومنا هذا.

الشعب الفلسطيني لم يعد مغيباً، ولن تخدعه بعد الآن الشعارات المستفزة للحميّة، فالكل بات يعرف أن محاولات إثارة الفتن وصولاً إلى إشعال الحرب مجدداً لن يخدم سوى أطراف محدّدة، تعتاش على جَمْع الثروات لطالما بقيت فلسطين جريحة.

فأهلاً بمفهوم تطبيع جديد يطبع خطوة للأمام نحو حماية فلسطين من الحرب، ومن الموت والدمار.. ومرحباً بمفهوم تطبيع يرسم أُطراً جديدة يتنفس من خلالها أهالي فلسطين أمان العيش على أراضيهم بدون خوف، ويمنع سلبها منهم.

أما الأراضي التي صودِرت منها، فكلنا أمل أن يأتي ذلك اليوم الذي نتفاجأ به بخبر اتفاقيات تسترجع حكم الأراضي المسلوبة كما تفاجأنا بخبر معاهدة السلام بين دولة مصر الشقيقة و وإسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل التي أوقفت ضم تلك الأراضي.

لقد فعلتها المملكة المغربية ، وهي فقط من نثق بقدرتها على صنع المزيد من المتغيرات في المنطقة بما يضمن حق الشعب الفلسطيني في العيش بسلام نحن كمغاربة في ظل ملكنا الهمام وظل كل الملوك نساند الفلسطينيين و لا ننتظر منهم أن يشكرونا أو يردوا لنا الجميل وإنما نتعامل مع القضية الفلسطينية إنطلاقا من مبادئنا وعقيدتنا التي تحتم علينا الدفاع عن القدس والدود عن المسجد الأقصى.
ولكن كبشر يحز في أنفسنا أن إخوانا لنا في فلسطين لا يهتمون بعدالة قضيتنا الوطنية ولا يدافعون عنها ولا يبدون رأيا في الموضوع ، كما نحن ندافع ونهتم بكل آهاة الأمة وآلام …ونحمد لله على هذه النعمة وهذا التشريف لأنه خلقنا هكذا، إنها المروءة المغربية والشهامة.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...