شاعر الحمراء .. و المطعم البلدي بطنجة

خليفة مزضوضي مدير مكتب جهة مراكش آسفي

زار الشاعر محمد بن ابراهيم المراكشي ، الملقب بشاعر الحمراء مدينة طنجة ، إبان الإستعمار الفرنسي ، و اضطر إلى المبيت بها ، و قد ساقته الظروف إلى فندق يسمى ” المطعم البلدي ” فقضى فيه ليلته لم ينسها طيلة حياته ، فهجاه بقصيدة تحمل نفس الإسم ، و ربما لا زال منا من يتذكرها حيث كانت تدرس في المدارس .
و قبل تنزيل القصيدة ، لا بأس من أخذ نظرة وجيزة عن هذا الشاعر الكبير .

وُلِدَ محمد بن إبراهيم ذِي الأصل الهوّاري في مدينة مراكش على رأس القرن العشرين (1900) الموافِق لــ 1318 هجرية حَسْبَما ذَكَره الشاعر في “يومياته” التي كتبها بخطّ يدهِ

أكَّدت المراجع التي أرَّخَت لسيرة هذا الـعلَم؛ أنَّ أباه إبراهيم؛ الرّجل الـمُحافِظ الولِع بالعلماء والفقه وعلوم الشريعة، أرادَ أنْ يَصيرَ محمدٌ هذا فقيهاً ضليعاً مِن فُقهاء مراكش، إلّا أنَّ رغبات محمد وما أوْدَعه الله فيه مِن حُبِّ الأدب والميل للشِّعر وتَذَوِّقُه وتِلْقائية وُرُودِ أبياته عليه؛ نـَحا به ناحية عالَم الشِّعر، مُهْمِلاً رَغبة أبيه، وخارِجاً من جُبَّة الشَّرع إلى الشِّعر بفنونه، ولا سيما؛ إتقانُه اللّزوميات والمدح والـهجاء.

ظلَّ محمد بن إبراهيم يُبِدِع قصيدةً تلو أخرى، قريباً مِن الناس، ومختلِطاً بعامِّيِهِم وعالِمهِم، دائم حضور المجالِس، مُقْبِلاً على الدّنيا، مُحبِّا للطيبات والتمتّع. ، ومِن بَديع ما خلَّف مِن قصائد عِلماً أنّ مُجمل إرثه الشِّعري ناهَز (5000) بيت .

ونَال لَقَب شاعِر الحمراء مِن طَرَفِ محبِّـيهِ ومُـنتقِديه، واضعين إيّاه على قَدم المساواة مع الوصْف الذي نالَه شُعراء عرب آخرون، مِن قَبيل وَصْف شاعر النّـيل، الذي نودِيَ به الشاعر الـمصري (حافِظ إبراهيم 1872-1932)، ووَصْف شَاعِر الخَضراء، الذي أُطْلِق على الشاعر التونسي (أبو القاسم الشّابي 1909-1934) رحمهما الله.

بَعد رحيل شاعِرِنا محمد بن إبراهيم المراكشي إثْرَ سَكتةٍ قَلبية مُفاجئة سنة 1955؛ أُطْلِق اسمه المقرون بِـصفة “شاعِر الـحمراء”، على مجموعة من المدارس العمومية في الدار البيضاء ومراكش وأكادير، وعلى بعض الأزقِّة. ونُشِر ديوانُه (روض الزيتون) تَيَمُّنا بالحي الذي كان يقطُن فيه بمراكش في طبعة مُنقَّحة ومُصدَّرَة بأقلامِ خِيرة أدباء المغرب المعاصِرين، وذلك سنة 2002، والذي كانَ قَدْ جُمِع وقُدِّم للملك المثقَّف الراحل الحسن الثاني في أبريل مِن العام 1969، بعد أنْ أَمَرَ الملك سَنة قَبل ذلك بِـجَمْع تُراث ابن إبراهيم الشِّعري والعناية بكل ما خَلَّف، وطَبْعه في ديوانٍ يَليق بمقام وشُهرة شاعر الحمراء.

و هذه قصيدته في وصف المطعم البلدي بطنجة كما سلف .

إن كانَ في كلِّ أرضٍ ما تُشَانُ بها فإنَّ طنجةَ فيهَا المطعَمُ البلَدِي
أخلاقُ أربابِها كالمِسك في أرَج بِعكسِ أخلاَقِ ربِّ المَطعَم البلَدِي
يأتِيكَ بالأكلِ والذُّبَاب يتبَعُه. وكالضَّباب ذُباب المطعِم البلَدِي
والبقُّ كالفولِ جِسما إِن جَهِلتَ به فعَشُّه في فِراشِالمطعم البلدي
مَا بالبرَاغيثِ إن تَثَاءبَت عجبٌ لمَّا ترَى حجمَها بالمطعم البلدي
تلقَاك راقصةً بالبابِ قائلةً يا مرحباً بضًيوفِ المطعم البلدي
تبيتُ روحُك بالأحلامَ في رُعبٍ إن نِمتَ فوق سرِير المطعم البلدي

وفي السقوفِ مِن الجُرذانِ خَشَخَشةٌ فأيَّ نَومٍ تَرى بالمطعمَ البلدي
ولا تَعُج فيه إبَّانَ المصيفِ فَفِي المَصِيف نارُ لَظىً بالمطعم البلدي
وفي الشِتاء من الثَّلج الفِراشُ به ومن حديدٍ جِدارُ المطعَم البلدي
أما الطَّبيبُ فعَجِّل بالذهابِ له إذا أكلتَ طَعامَ المطعَم البلدي
الطَّرفُ في أرَقٍ والقلبُ في حنَقٍة و النفس في قلقٍ بالمطعم البلدي
الصَّدرُ منقبِضٌ والمًرءُ مُمتِعِضٌ والشرُّ مُعترِضٌ بالمطعَم البلدي
يا من مُناه المكانُ الرَّحبُ في سَفَرٍ كالقَبر في الضِّيقِ بيتُ المطعم البلدي
وليلةٍ زارَنِي في الفجر صاحِبُه يا شَقوتِي بنزُولِ المطعم البلدي
وكالمَدَافِع خلفَ البابِ سُعلَتُه يهتَزُّ مِنها جِدَار المطعم البلدي

دَقَّ فمن قلتُ قال افتجح فقلتُ لِمَن. قال افتَحَن أنا ربُّ المطعِم البلدي
أشرُّ مِن رُؤيَةِ الجَلاَّدِ رُؤيتُهُ لمَّا يزورُك ربُّ المطعم البلدي
وكم ثقيلٍ رأت عينِي وما نَظَرَت فيهِم مَثيلاً لِرَبِّ المطعم البلدي
طابَ الحديثُ له فجاءَ يسألُني وقالَ مَاذا تَرى في المطعم البلدي
فقلتُ خيراً فقال الخيرُ أعرفُه ويعرفُ الناسُ خيرَ المطعم البلدي
إن كانَ عندَك قل لي من مُلاَحظَةٍ تَزيدُ حُسنَ نظامِ المَطعم البلدي
فقلتُ ما لِي أرَى هذا الذبَابَ بَدَا مثلَ الضَّبابِ بأفقِ المطعم البلدي
فقالَ إنَّ فُضول الناس يُقلِقني هذا الذُّبابُ ذبابُ المطعم البلدي

فقلتُ والبقُّ قال البقُّ ليسَ به بأسٌ إذا كانَ بقَّ المطعم البلدي
فقلت هذي البرَاغِيث التي كثُرت ماب الُها كَبُرَت في المطعم البلدي
فهزَّني كصَديقٍ لي يُداعِبُني وقالَ تِلكَ جُيوشُ المطعم البلدي
فقلتٌُ عَفوا فمَا لي مِن مُلاحظَةٍ وإنَّني مُعجَبٌ بالمطعم البلدي
فقال ها أنتَ للحقِّ اهتَديتَ فقل إذن متَى ستزورُ المطعمَ البلدي
فقلتُ إن قدَّر اللهُ الشَّقَاوةَ لي فإنني سَأزورُ المطعمَ البلدي
ينسى الفتَى كلَّ مقدُورٍ يمرُّ به إلاَّ مَبيتَ الفتَى بالمطعم البلدي
يا مَن قضَى اللهُُ أن يَرمشي بِه سفرٌ إياكَ إياكَ قُرب المطعَم البلَدي




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...