نبش في الذاكرة : فاطمة الزحافة : الشيخة التي وضعت جسدها في أغانيها

خليفة مزضوضي مدير مكتب جهة مراكش آسفي

الشيخة فاطمة الزحافة من مواليد أولاد اسعيد (نواحي سطات) سنة 1938· واسمها الكامل فاطمة الطاهري بنت العربي· بدأت الغناء في طفولتها، وتذكر أنها كانت في سن الثالثة عشر عندما انخرطت في فرقة بالبادية لغناء العيطة· وبدأت ترافق أعضاء الفرقة أثناء تنقلها بين الدواوير والمداشر القريبة· لكن انطلاقتها الحقيقية كانت مع عودة الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه من منفاه السحيق سنة 1955، وانتشار الاحتفالات الشعبية في كل مكان، وفي قصبة أولاد اسعيد تحديدا· فهناك صعد نجم الشيخة وهي تجلجل بذلك الصوت العالي الممتد في حفلات كان ينظمها القايد بن حمان في المنطقة·

وظلت الزحافة على هذه الحال الى أن انتقلت إلى مدينة سطات، في عمق مناطق وسهول الشاوية حيث يسود نمط العيطة المرساوية بأداء سطاتي له بعض مميزاته الموسيقية والغنائية· وشكلت فرقتها الغنائية الخاصة، وشرعت في تنشيط الأعراس والحفلات· وبَدَا واضحاً، وهي تغني وتسجل أسطوانات عديدة (من فئة 45 لفة) أنها شيخة استثنائية بكل المقاييس· صوت قوي جدا لا يتعب أبدا في أداء المقاطع الممتدة، ونبرة بكائية تشبه النَّدَّابَاتْ أثناء “العَدّْ” وذكر مناقب وصفات الموتى في باديتنا المغربية·

وما كان يزيد في تميز المرحومة فاطمة الزَّحَّافة، وهي تؤدي أنها كانت تمتلك قدرة هائلة على ارتجال “الحبَّاتْ” حول ما تراه وما تسمعه على الفور، وحول نفسها وواقعها المعطوب، خصوصاً وأنها كانت تعاني من حالة إعاقة جسدية ظلت تلازمها طوال حياتها· كما كان يميز أغانيها، من حيث الأداء، تميز “العيطة السطاتية” ـ وهي عيطة مرساوية حقيقية من حيث البناء الموسيقي والشعري ـ ببعض الاختلاف على مستوى “الرفود” فيما يشبه تنويعات على البناء الأساس الذي لا يتهدم·

ويذكُر الجميع أن فاطمة الزحافة اشتهرت أساساً عندما غنت أغنيتها الشهيرة “الزاوية”، والتي ألفتْها هي شخصياً وفق نظام التأليف العيطي، مما يجعلني أؤكد بأنها من العيوط المستحدثة التي تمنحنا أحد أبرز النماذج على سيرورة العيطة وعدم انغلاق باب التأليف فيها·

وتعتبر قصيدة “الزاوية” من أجمل الأغاني التقليدية المغربية وأكثرها انتشاراً وتداولاً على ألسنة الشيخات الماهرات والمجموعات الغنائية الشابة الى اليوم ، و جاء مطلعها :
أَنا واللَّه يا الزاوية
مَا انَا سَاخْية بِيكْ
سَخَّاكْ الزّْمَانْ عْليَّ
مَا حَدّْني نَتّْسَارَا فِيكْ
الذُّلْ مَا يْدُوزْ عليَّ
جِيتْ نْزُوركُمْ آ الغْلِيميِّين
جِيتُوا مْفَرقِين عْلِيا …

وواضح أن الشيخة فاطمة الزحافة ألفت هذه الأغنية على المنوال الغنائي السائد في مناطق العيطة ومنابت الغناء التقليدي في عمق البادية المغربية· إنها تضع جسدها المعاق في النص الذي جاء على شكل بروال عيطي جميل·
ذلك أنها ترغب في زيارة أضْرِحة الغليميين (الأولياء الصالحين بالمنطقة)، لكن هذه الأضرحة لا توجد في مكان واحد، فقد تفرقت حتى أضحى من الصعب علىها زيارتهم جميعا ، نظرا لإعاقتها الجسدية .

وكم ظلت المرحومة فاطمة الزَّحَّافة تستصرخ ضمائر المسؤولين كي يصونوا أغانيها من القرصنة وانعدام فرص تحصيل حقوقها، لكن عبثاً في زمن، وفي بلاد لا تعترف إلا بالأقوياء، مادياً واجتماعياً وجسدياً· والحال أن فاطمة كانت وحيدة وعزلاء وفقيرة ومعاقة جسدياً· وحتى حينما أنجبت ابنتها الوحيدة (السعدية)، ولدت هي بدورها معاقة شافاها الله· فقالت الزحافة ارتجالاً: “لله يا العالي/ ولدت بْنيَّة/ ولدتها بْحَالي!”·

وتؤكد الشيخة الصالحة، صديقة المرحومة وزميلتها في الفرقة لعدة سنوات خلال الستينات، بأن “معظم أغاني المرحومة فاطمة الزحافة كان من نَظْمِها وهو ما ينبغي أن يُجمع في كتاب خاص بها”· وتضيف قائلة: “لقد عاشت حياة صعبة، خاصة مع المرض· وفاطمة الزحافة رحمها الله هي التي كانت السبب المباشر في دخولي عالم الغناء، إذْ انضممتُ إلى فرقتها وعمري 16 سنة· فكنت بالنسبة إليها بمثابة ابْنتها، واشتغلت معها لمدة 12 سنة الى حدود سنة 1973·

ولأنها لم تكن صارمة، ولم تكن تلح في الأمور المالية، فقد كانت شركات التسجيل والإنتاج تستغلها وتلتهم مستحقاتها· لكنها كانت محبوبة، وكان الجمهور يغدق عليها الكثير حتى إن النساء كن يمنحنها المال والحلي معاً”·

ويقول الفنان الموسيقي الأستاذ محمد كريمي بنشقرون بأن “الفنانة فاطمة الزحافة كانت من أبرز الفنانات الشعبيات اللواتي حافظن على طابع العيطة، وذلك إلى درجة أنها أصبحت من رواد هذا الفن· إضافة إلى ذلك، أنها تمتاز بالصوت الحسن الرنَّان، الصوت الكامل· وهذا يتجلى من خلال مساحة الصوت التامة من القرار إلى أعلى مقام· أما من الناحية الاجتماعية، فكانت رحمها الله ذات أخلاق طيبة· عاشت إنسانة متواضعة· لم يسبق لها أن فكرت في النجومية رغم أنها كانت نجمة بكل المقاييس· لكنها تفضل العمل في الظل· والمدهش أنها تخطت عاهتها واقتحمت الميدان الفني من بابه الواسع من خلال التمكن من التراث الذي تشتغل في مجاله، وهو ما جعل العلاقة بينها وبين جمهورها الواسع تحافظ على متانتها وتبقى مستمرة رغم الهزات التي عرفها هذا المجال”·

في أواخر حياتها، وهي في مسكن سفلي بسيط جداً بحي ميمونة بمدينة سطات، تقتعد حصيراً وبضع أغطية صوف (عبابن)، وإلى جانبها ابنتها السعدية وطفلها بالتبني (هشام)، ظلت تكاتب السلطات الاقليمية والمركزية بحثاً عن إمكانية لإنقاذها من وضعها الاجتماعي المتردي· ورغم تعدد الرسائل بدءاً من سنة 1980 وإلى آخر حياتها لم تكن تتلقى إجابات· وعندما حدث مرة أن تدخل بعض المهتمين بتراث العيطة والذين يدركون قيمة مغنية وشاعرة شفوية كفاطمة الزحافة، توصلت بجواب من عامل إقليم سطات، بتاريخ 19 دجنبر 1984، جاء فيه: “فجواباً على طلبكم المشار إليه أعلاه، يشرفني أن أخبركم بأنه لا يمكن تلبية هذا الطلب في الوقت الراهن· وأثير انتباهكم إلى أن طلبكم محتفظ به مع باقي الطلبات قصد الدراسة في الوقت المناسب!”·

وماتت فاطمة الزحافة مغمورة بالإهمال ، يوم 29 أكتوبر سنة 2000 ولم تصل صرخاتها كمغنية أو كمواطنة إلى من يهمهم الأمر .


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...