غيض من فيض

… اعلمْ أخي، أن الإمبريالية، لم يغف لها جفن، منذ وعد بلفور 1917، أما ما نراه اليوم من مستجدات متسارعة من حيث الزمن، ما هي إلا نتائج أولى لما خططت له الإمبريالية. كما أنها غيرت من أساليبها: من استعمار مباشر، الى استعمار خفي ممنهج، يتسلل ببطء شديد، عبر وسائط مختلفة، الى الجسم العربي من المنامة الى الخرطوم، أما ما تعلق بالامة الإسلامية فحدث و لا حرج. … و الخطير في الأمر، أن الجميع يتكالب على الجميع، تحت سقف ما أسموه بالاثفاقيات و المواثيق الدولية، بعناوين رنانة و مغرية، لا تخدم في حقيقة الامر إلا مصالح الإمبريالية المتوحشة، التي ما إن يختلف قادتها و مهندسوها، حتى تجد العالم، برمته، غارقا في دوامة من الأحداث، منشغلا بكثير من الضوضاء التي تغذيها عديد من بؤر التوثر الواهية الفارغة، على أهميتها، و ما يسفر عن ذلك من ضحايا و خسائر تعتبر ضرورة مرحلية لما تيسره إدارة الإمبريالية التي غزت جميع المؤسسات التي تدعي الديمقراطية، في جميع الدول، مع بعض الاستثناءات، خصوصا الدول التي يشار إليها بالإسكندنافية… .
فالإمبريالية مصطلح يختلف مفهومه و تتطور أغراضه مع تطور الزمن، فإذا كانت الإمبريالية في بداياتها تعتمد الدبابات و البازوگات في تنزيل مراميها، فاليوم، كما سبقت الإشارة، إختلفت و تنوعت أساليبها من (رغما عن أنفك) الى رضوخك بكل طواعية أمام مغرياتها، فالعالم الأن، بإسره، إلا من رحم ربك، يركع عند أرجل الإمبريالية منبطحا منقادا لا حول له و لا قوة.
فالإمبريالية لا حدود لسيطرتها و لا مانعا لبلوغ غاياتها، الإمبريالية هي التي تملي القرارات على رؤساء الاتحادات و الدول و تتدخل في تسطير و أجرأت دساتيرها، الإمبريالية هي التي تحدد المعايير و المقاييس، فالامر يرجع دائما الى الإمبريالية في كل صغيرة و كبيرة، فلا حركة و لا سكون إلا بإذن الإمبريالية، و الويل لمن خولت له نفسه غير ذلك، (فعينك لن ترى إلا النور).
الإمبريالية، في صيغتها الجديدة، تغدق بكل سخاء على ممٓكناتها، تغدق بكل سخاء على كل شأن قد يشغل العالم و يأخذ الكثير من وقته، و لا يترك له فرصة التمعن في حقيقة أمره و بؤس حاله، فما إن تجد (صناعة) تُصرف عليها الملايير، فاعلم انها يد من أيادي الإمبريالية، واعلم، دون شك انها وساطة وفية، تتحكم من خلالها الإمبريالية في كل الشعوب و الأمم و خصوصا الناشئة من أطفال و يافعين و شباب.
الأمثلة كثير و متعددة، يكفي أن نتسائل، لماذا نجوم كرة القدم يتقاضون كل تلك الملايير و يحظون بكل ذلك الاهتمام، أنا شخصيا أعتبرهم أبطالا للإمبريالية و ليس لكرة القدم، لان هذه الاخير وسيلة و ليست غاية، و قس على ذلك، ما تعلق بنجوم السينما و نجوم الغناء و نجوم الإعلام سواء السمعي او البصري، و نجوم الصناعات الغدائية و الطاقية و الدوائية، و كذلك النجوم الجامدة المتحركة او النجم الآلة كهذا الجهاز الشيطاني، الهاتف الذكي، الذي نتواصل من خلاله اليوم، كلها نجوم تعلو سماء العالم و تلجم الجماهير و (تحدد مصائرها). و اعلم أن الإمبريالية لا تفصح عن كل نواياها و لا تشي بكل مخططاتها، فإذا بلغ تخطيط الانسان الواعي لحياته، إن صح القول، ستين أو سبعين سنة، كرقم محصور بمعدل الوفاة، فاعلم أن الإمبريالية تخطط للعالم و مجرياته لمائات السنين، فهي فكر يُتوارث من الجد الإمريالي الى الإبن الإمبريالي و هكذا دواليك… . و ما نراه اليوم مرورا، كمثال فقط، بحرب الخليج و أحداث ما سمي بالربيع العربي و كذلك ما عرفه العالم مع جائحة كوفيد 19، وصولا الى ما تعانيه غزة اليوم أمام صمم الدول العربية و الاسلامية، ما هي إلا تنزيل لما خططه المؤسسون الأوائل للإمبريالية، طبعا مع بعض الانفلاتات الناتجة عن الصحوة و الانعتاق التي يعرفها العالم بين الفينة و الأخرى.
وااااه، مجرد وجهة نظر
سؤال مستفز، للاستاذ عبد المعطي تمهال، جعلني، من خلال هذه التدوينة، أفصح عما بجعبتي عن موضوع بات يؤرق العالم.
بقلم سيدي محمد الناصري.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...