هل كان المقال تحامل ومبالغة و إساءة لمدينة سلا أم أنه فقط قام بكشف المستور و تعرية واقع تسيير فاشل للمدينة؟اراؤكم

العاصمة بريس الرباط

المقال:
لا يفصل بين مدينة الرباط ومدينة سلا سوى بضعُ عشرات أمتار، تمثل عَرْض وادي أبي رقراق الفاصل بينهما، غير أن الفرق بين العَدوتيْن، كما تُسمّيان، على مستوى البنية التحتية، والنظافة، والمرافق… يبدو شاسعا جدا.

“مدينة مُعطّلة”
وأنت والج إلى مدينة سلا، بعد عبور قنطرة الحسن الثاني الفاصلة بين العَدوتين، تستقبلك ساعة حائطية كبيرة هي جزء من معالم المدينة، لكن عقاربها توقفت منذ سنوات طويلة، ويشبه وضعها المعطّل وضع عَدْوة العاصمة ككل.
يُشبّه عدد من سكان سلا مدينتهم بـ”الفندق”، ذلك أن نسبة كبيرة منهم يعملون في الرباط، وفي المساء يعودون إلى بيوتهم في سلا من أجل النوم، ومع شروق شمس اليوم الموالي يلتحقون بأماكن عملهم في الرباط.

“لطالما ارتبطت سلا في مخيلة أهلها بأنها للنوم فقط”، يقول التهامي بلمعلم، فاعل مدني وناشط حقوقي من أبناء مدينة سلا، مبرزا أن “من بين المشاكل التي تعاني منها المدينة ضعف الاستثمار، إذ يغلب طابع العقار على المشاريع التي تُنجز فيها”.

وإذا كانت أغلب المدن تتوفر على مركز يشكّل وسط المدينة فإن مدينة سلا لا تتوفر على مركز محدد، وهي عبارة عن شارع طويل يخترق المدينة انطلاقا من نهاية قنطرة الحسن الثاني.
يفسّر التهامي بلمعلم، الفرق الشاسع بين مدينة الرباط ومدينة سلا بكون الأخيرة كانت في الأصل منطقة فلاحية، وابتداء من ثمانينيات القرن الماضي كانت قِبلة للمواطنين الذين يهاجرون من البادية، كما أنها تحوّلت إلى منطقة لـ”تصريف مشاكل الرباط”
وكانت مدينة سلا، إلى حدود السنوات الأخيرة،
مأوى لعدد كبير من أحياء الصفيح التي ظلت تؤوي عشرات الآلاف من المواطنين، قبل أن تعمل السلطات على تفكيكها، ونقل قاطنيها إلى ضواحي المدينة.

واعتبر التهامي بلمعلم أن من بين العوامل التي عطّلت التنمية في مدينة سلا ضعفُ الميزانيات المخصصة للنهوض بها، مقارنة بالميزانيات المخصصة للعاصمة الرباط، غير أنه اعتبر أن المدينة شهدت تطورا ملموسا، وتضم أحياء “راقية”، مثل حي السلام، إضافة إلى المشاريع الحديثة التي تُنجز فيها، مثل برج محمد السادس.

مرافقُ مغلقة
من بين المشاكل التي تتخبط فيها مدينة سلا قلة فضاءات الشغل، رغم أنها تضم عددا من الأحياء صناعية، خاصة في حي الرحمة وفي الطريق المؤدي إلى القاعدة العسكرية، غير أن عددا من الوحدات الصناعية أغلقت أبوابها.
ولا يقتصر الإغلاق على الوحدات الصناعية فحسب، بل يشمل مرافق حيوية، مثل المؤسسات الصحية، ففي وقت تنكب الدولة على تعميم الحماية الاجتماعية، وتوفير الرعاية الصحية للمغاربة، يوجد في حي العيايدة بمدينة سلا المجاورة للعاصمة مركز صحي تم بناؤه منذ ما يزيد عن ثماني سنوات، لكن أبوابه مازالت موصدة
وغير بعيد عن المركز الصحي المذكور الموجود بالقرب من التجمع السكني الضحى توجد قاعة مغطاة مازالت أبوابها بدورها موصدة.

وإذا كانت مدينة سلا تفتقر إلى فضاءات ترفيهية كافية فإن فضاءات أخرى تم محْوُها بعد أن ظلت عبارة عن أطلال لسنوات، مثل سينما أوبرا في حي تبريكت، التي هُدمت ويُشيّد فوقها مشروع سكني وتجاري.

“مدينة مُظلمة”
عندما تغيب الشمس ويحل الظلام تتحول مدينة سلا إلى مدينة شبْه مظلمة، بسبب ضعف الإنارة العمومية، “بْحالّا مْضوّينها بالشمع”، بحسب تعبير أحد أبناء المدينة، مبرزا أن “الشارع الوحيد الذي توجد فيه إنارة جيدة هو الشارع المؤدي إلى المطار وإلى القصر الملكي.
وتوجد في مدينة سلا شركة التنمية المحلية “سلا نور”، وهي شركة لتدبير خدمات الإنارة العمومية، في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وبحسب المعطيات المنشورة في الموقع الإلكتروني لشركة التنمية المحلية “سلا نور” فإن الجماعة الحضرية للمدينة تساهم في رأسمال الشركة المكلفة بتدبير خدمات الإنارة العمومية بنسبة 51 بالمائة.
وبحسب المصدر نفسه فإن جماعة سلا “هي أول جماعة ترابية بالمملكة تقرر إحداث شركة التنمية المحلية لتدبير الإنارة العمومية، بغرض إضفاء طابع المهنية على تدبير هذا المرفق الذي يقدم خدمة عمومية”.
ولكن عمليا، يَكشف الضعف الكبير للنور الذي ترسله المصابيح البيضاء المثبّتة فوق أعمدة الإنارة العمومية بالمدينة عن واقع آخر، إذ يظهر الفرق شاسعا جدا بين مستوى الإنارة العمومية في سلا، الذي اعتبره التهامي بلمعلم “ضعيفا جدا”، ومستوى الإنارة العمومية في الرباط.

“سوق عائم فوق مياه عادمة”
يُعتبر حي تابريكت من الأحياء الجديدة في مدينة سلا، غير أنه مازال يعاني من مظاهر تجعله أقرب إلى المجال القروي، فرغم تطهيره من أحياء الصفيح، والشروع في بناء العقارات التي ظلت فارغة لسنين طويلة، فإنه مازال يَحتوي على الشيء ونقيضه.
في مركز الحي تم تشييد مركب للتنشيط الثقافي والفني، افتُتحت أبوابه سنة 2022، وخلْفه مباشرة يوجد سوق غارق في العشوائية والفوضى، تخترقه قناة مفتوحة تجري فيها المياه العادة، وتحوم حولها أسراب من النوارس والكلاب الضالة.
عندما يهطل المطر تتسرب المياه العادمة التي يختلط فيها دم الدجاج المذبوح مع النفايات إلى الشارع، مخلّفة منظرا مقززا، أما الروائح الكريهة المنبعثة من تلك المياه فقد ألفتْها أنوف زائري السوق
وعلاوة على المياه العادمة وقذارتها وروائحها الكريهة تجوب سوقَ تابريكت “قطعان” من الكلاب الضالة، يتّخذ عدد منها سطوح العربات التي يعرض عليها الباعة الخضر أو الدّكك التي تُعرض عليها الأسماك مكانا للنوم.
وكانت أشغال بناء السوق الجديد الذي كان مرتقبا أن يعوض السوق العشوائي الحالي انطلقت، لكنها توقفت، ولم يتسنّ أخذ توضيحات حول أسباب توقفها، ووضعية السوق الحالي، من طرف رئيس مقاطعة تابريكت، إذ تم الاتصال به لكن دون رد.
وتعاني سلا أيضا من “ظاهرة” انتشار الأشخاص المختلين عقليا، رغم أن المدينة تحتضن مستشفى للأمراض العقلية (مستشفى الرازي).
“مدينة سلا توسّعت كثيرا، وأصبحت مدينة كبيرة أُنجزت فيها مشاريع مهمة وإيجابية، فهي تتوفر على الطرامواي، وبترابها يوجد مطار الرباط-سلا، وهناك مشاريع أخرى، لكن هذا لا يمنع من القول إنها مازال يغلب الطابع القروي على كثير من مناحيها”؛ يقول التهامي بلمعلم.
ما قاله الفاعل الحقوقي ذاته يعكسه واقع سلا، فعلاوة على مظاهر العشوائية التي تسم المدينة، وانتشار الكلاب الضالة، يمكن أن يلفي المتجول فيها قطعانا من الأغنام تتجول بين الأزقة، أو تقتات من صناديق القمامة.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...